ساسي سالم الحاج
80
نقد الخطاب الاستشراقي
وكيفية مروره بالمدن القديمة الواقعة على طريق التجارة بين مكة والشام . وكيف سمحت هذه الرحلة للرسول بالتأمل والتفكير في مصير الأقوام البائدة التي تشهد عليها مدنهم المدمرة كالبتراء ، وجرش ، وعمون وغيرها . وكيف أن هذه المشاهدات الحسية امتزجت بالروايات اليهودية حول مصير ساكني هذه المدن الذين لحقتهم لعنة السماء فأنزل اللّه عليهم العذاب والكوارث التي خرّبت بيوتهم ، وشتّتت عائلاتهم وتركتهم مثلا للذاكرين والمسافرين . ويرى « موير » أن الرسول قد اتصل إبّان هذه الرحلة بالديانة المسيحية ، وشاهد طقوسهم الدينية التي يمارسونها في كنائسهم ، كما اطلع على عاداتهم الاجتماعية ، وشؤونهم العامة ، كما لاحظ شعائرهم الدينية كدق الأجراس عند الصلوات ، وحضور الصلوات التي تلقى فيها المواعظ والتراتيل . ويفترض « موير » أن هذه المسائل جميعا قد أثّرت بشدة في عقلية الرسول وجعلته يفكّر في عبادة قومه للأصنام ويقابل بين العبادتين . وكانت لهذه الزيارة أثرها في مشاريع محمد المستقبلية ، وقد فتحت له خياله الطفولي للتفكير في هذه المظاهر التي شاهدها وتأمّلها خاصة أن هذه المشاهدات قد اقترنت بواقعة أشارت إليها معظم المصادر الإسلامية وهو التقاء الرسول بالراهب « بحيرى » . وقد ناقش « موير » هذه الواقعة في هامش كتابه . وبعد أن أورد كيفية معالجة المصادر الإسلامية لها ، لم يعلق عليها أو يحللها ولكنه تركها لقريحة القارئ ليستنبط منها ما يشاء ، وإن كان قد أشار في تلك الهوامش - استنادا إلى رواية « قيل Weil » - إلى أن الرسول قد سافر إلى اليمن عندما كان في السادسة عشرة من عمره رفقة عمه « زبير » . ولكن « شبرنجر » يرفض هذه الرواية التي لا يراها صحيحة خاصة أن عمه أبا طالب لم يسافر به مطلقا بعد التقائه ببحيرى الراهب وذلك استنادا إلى رواية الواقدي التي ورد فيها « ورجع به أبو طالب فما خرج به سفرا بعد ذلك خوفا عليه » « 1 » . ثم ينتقل « موير » في الجزء الثاني من كتابه « حياة محمد » إلى وصف الحياة المكية بجميع مظاهرها إبان شباب الرسول ، ويصف الأسواق التجارية التي تعقد في المواسم المعينة وما يتخللها من مناقشات أدبية ، ومطارحات شعرية ، التي أنتجت لنا ما أطلق عليه « المعلقات السبع » . وكيف أنه في فترة شباب الرسول الأولى اندلعت حرب الفجار بين قريش والطائف ، وقد سميت بهذا الاسم لأنها اندلعت في الأشهر الحرم
--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . 33 .